الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام-، وقائم بفرض الكفاية، ولهذا قالوا: المفتي موقِّع عن الله تعالى، وقال ابن المنكدر: العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم.
ولذلك هاب مَن هابها من أكابر العلماء العاملين، وأفاضل السالفين والخالفين، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة واضطلاعه بمعرفة كبار المسائل أن يقول: لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
وقال محمد بن عجلان: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله وقد روى عن سفيان الثوري وسحنون بن سعيد قالا: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.
وسئل الإمام مالك في مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قوله جل ثناؤه: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً).
وكان سعيد بن المسيب –رحمه الله تعالى- لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني.
رحم الله الأئمة، فكيف لو أدركوا زماننا؟!
ولخطر شأن الفتوى وصعوبتها، وضع "مكتب البحوث والدراسات" بصندوق الزكاة –بدولة قطر- شروطاً للفتوى فيما يخص "كتاب الزكاة" تتلخص في الآتي:
1) الدفع بالفتوى لأحد الباحثين الشرعيين من قبل رئيس المكتب، وبعد الإجابة عليها من قبل الباحث، يجتمع الباحثون جميعاً لمناقشة الفتوى والإجابة عليها، ثم الخروج بالرأي النهائي فيها.
2) البعد عن الخلافات الفقهية، والاجتهادات المذهبية، والآراء الغريبة، والقرب من مواقع الإجماع ومواطن الاتفاق حسماً لمادة التشتت لدى المستفتي.
3) اعتمادنا بالمقام الأول في الفتوى –بعد الله تعالى- على ما انتهت إليه التوصيات وفتاوى وأبحاث ندوات الزكاة الصادرة عن "الهيئة الشرعية للزكاة" وصولاً لتوحيد الفتوى بين جمهور المسلمين، وضماناً لسلامة الرد، وإصابة الصواب قدر المستطاع.
4) فإذا لم نجد ذلك، اجتهدنا رأينا وتحرينا الخير، بالنظر في كتب فقهائنا الأجلاء أصحاب المذاهب الأربعة، ورجحنا ما نراه أقرب إلى فقه الكتاب والسنة، ومواقع الإجماع والاتفاق، قاصدين وجه الله تعالى، بعيداً عن التوجه المذهبي أو الخلاف الفقهي البعيد، والله من وراء القصد.
5) نحاول دائماً توثيق الفتوى بالنصوص من كتاب وسنة، والرد إلى مصدرها فقهاً.
6) نراعي في الفتوى تبسيط العبارة قدر الاستطاعة لتتناسب مع فهم القارئ العادي، ولا تبتعد في الوقت نفسه عن مصطلحات فقهائنا الأجلاء للربط بين ماضينا التليد وحاضرنا الواعد.
7) نراعي أيضاً معادلة المكاييل والأوزان الشرعية بالمكاييل والأوزان المعاصرة.
والله نسأل أن يأخذ بأيدينا، وأن يجنبنا مواطن العطب والزلل، ويبصرنا الفهم والصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.